محمود بن حمزة الكرماني

263

البرهان في متشابه القرآن

وفي المؤمن جاء على الأصل ولم يكن فيه موجب تغيير . قوله تعالى في هذه السورة : وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ « 1 » بالواو . وفي الشورى : فَما أُوتِيتُمْ « 2 » ؛ لأنه لم يتعلق في هذه السورة بما قبله كثير تعلق ، فاقتصر على الواو لعطف جملة على جملة . وتعلق في « الشورى » بما قبلها أشد تعلق [ فاقتضى الفاء ] « 3 » ؛ لأنه عقب ما لهم من المخافة بما أوتوا من الأمنة والفاء حرف للتعقيب . قوله تعالى في هذه السورة : وَزِينَتُها وفي « الشورى » : فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فحسب ؛ لأن في هذه السورة : ذكر جميع ما يبسط فيه الرزق ، وأعراض الدنيا كلها مستوعبة بهذين اللفظين ، فالمتاع ما لا غنى عنه في الحياة من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح . والزينة ما يتجمل به الإنسان ، وقد يستغنى عنه ؛ كالثياب الفاخرة ، والمراكب الرائقة ، والدور المجصصة ، والأطعمة . وأما في الشورى فلم يقصد الاستيعاب ، بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة . فلم يحتج إلى ذكر الزينة . * قوله تعالى : إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً « 4 » . ثم قال بعده : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً « 4 » : فقدّم الليل على النهار ؛ لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل « 6 » . ثم ختم الآية الأولى بقوله : أَ فَلا تَسْمَعُونَ بناء على الليل . وختم الآية الأخرى بقوله : أَ فَلا تُبْصِرُونَ بناء على النهار ، والنهار مبصر ، وآية النهار مبصرة « 7 » .

--> ( 1 ) سورة القصص وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ الآية : 60 . ( 2 ) سورة الشورى فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الآية : 36 . ( 3 ) ز . في « ح » 60 / أ . ( 4 ) القصص قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ الآيتان : 71 ، 72 . وفي الآية التفات إلى حتمية تلازم السرمدين : فلو تسرمد الليل لتسرمد النهار : وذلك بأن تواجه الأرض الشمس في دورانها حولها بوجه واحد ، مع توقّف دوران الأرض حول نفسها . وفيه تنبيه إلى الآيات المترتبة على دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وما في ذلك من دلالات باهرة على عظمة خالق الكون ومدبره . ( 6 ) في « ح » 104 / أتعليق أمام هذه العبارة نصه : [ قلت : أو قدم الليل لأنه أول ، ومنه : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ . وكذا في التاريخ كقولك : « فعلته لخمس خلت » ] . وما اجتمع الليل والنهار في آية إلا تقدم الليل . ( 7 ) تقديم الليل على النهار ليس خاصا بهذه الآية بل هو عام في كل آية اجتمع فيها ذكر الليل والنهار :